ابن المقفع
270
آثار ابن المقفع
فلم يزل حتى بصر بسفينة من سفن البحر كثيرة المتاع قد قدمت إلى الساحل ، فخرج إليها جماعة من التجار يريدون أن يبتاعوا مما فيها من المتاع فجلسوا يتشاورون في ناحية من المركب ، وقال بعضهم لبعض : ارجعوا يومنا هذا لا نشتري منهم شيئا حتى يكسد المتاع عليهم فيرخصوه علينا ، مع أننا محتاجون اليه وسيرخص . فخالف ابن التاجر الطريق وجاء إلى أصحاب المركب فابتاع منهم ما فيه بمئة ألف درهم نسيئة ، وأظهر أنه يريد ان ينقل متاعه إلى مدينة أخرى فلما سمع التجار ذلك خافوا ان يذهب ذلك المتاع من أيديهم فأربحوه على ما اشتراه ألف درهم وأحال عليهم أصحاب المركب بالباقي وحمل ربحه إلى أصحابه وكتب على باب المدينة : عقل يوم واحد ثمنه ألف درهم . فلما كان اليوم الرابع قالوا لابن الملك : انطلق أنت واكتسب لنا بقضائك وقدرك . فانطلق ابن الملك حتى أتى إلى باب المدينة فجلس على دكة في باب المدينة . واتفق بالقدر أن مات ملك تلك الناحية ولم يخلف ولدا ولا أحدا ذا قرابة . فمروا عليه بجنازة الملك ولم يحزنه وكلهم يحزنون ، ولم يلتفت إليهم ولم يكترث لما هم فيه ، فأنكروا حاله وشتمه البواب وقال له : من أنت يا لئيم ، وما يجلسك على باب المدينة ولا نراك تحزن لموت الملك ولا تهتم ؟ وطرده البواب عن الباب ، فلما ذهبوا عاد الغلام فجلس مكانه . فلما دفنوا الملك ورجعوا بصر به البواب فغضب وقال له : ألم أنهك عن الجلوس في هذا الموضع ؟ وأخذه فحبسه . فلما كان من الغد وقد اجتمع أهل تلك المدينة يتشاورون في من يملكونه عليهم ويختلفون بينهم ، إذ دخل البواب فقال لهم : إني رأيت أمس غلاما جالسا على الباب ولم أره يحزن لحزننا كأن الأمر ليس عنده بعظيم ، وتلوح عليه لوائح العزة والشرف ، فكلمته فلم يجبني فطردته عن الباب ، فلما عدت رأيته جالسا فأدخلته السجن مخافة ان يكون